جلال الدين السيوطي

34

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فالجواب من وجهين - الأول : أن معناه تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان ؛ فهو كقوله : علفتها تبنا وماء باردا ، تقديره علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا . الثاني أن المعنى أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم لتمكّنهم فيه ، كما جعلوا المدينة كذلك . فإن قيل : قوله « 1 » : من قبلهم - يقتضى أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان ، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شكّ فيه ، لأنها كانت بلدهم ، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل ؛ لأن أكثر المهاجرين أسلموا قبل الأنصار . فالجواب من وجهين : أحدهما أنه أراد بقوله : من قبلهم : من قبل هجرتهم . والآخر أنه أراد تبوّءوا الدار مع الإيمان معا [ 108 ب ] ؛ أي جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين ؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بنزول الدار ؛ فيكون الإيمان على هذا مفعولا معه . وهذا الوجه أحسن ؛ لأنه جواب عن السؤال . وعن السؤال الأول بأنه إذا كان الإيمان مفعولا به لم يلزم السؤال الأول ، إذ لا يلزم إلا إن كان الإيمان معطوفا على الدار . ( تَعاسَرْتُمْ ) « 2 » ؛ أي تضايقتم . والمعنى إن تشطّطت الأم على الأب في أجرة الرضاع ، وطلبت منه كثيرا فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق به إلّا ألّا يقبل الطفل غير ثدي أمّه فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ، ومثل الزوج ؛ فلا تضيع الزوجة ولا يكلّف هو ما لا يطيق .

--> ( 1 ) في الآية نفسها . ( 2 ) الطلاق : 6